:: على بصيرة ::

   

الرئيسية   |   السيرة الذاتية   |   حول الموقع   |   اتصل بنا

| د. عبد الرحمن البر : حكم التظاهر بين السلمية والبلطجة | بلاغ للنائب العام | د البر حوار خاص للحياة اليوم بعد تصريحاته عن نية الرئيس محمد مرسي تحرير القدس | د عبد الرحمن البر يصحح ما نسب إليه في العراف اليهودي | توضيح وبيان | ملخص الزيارة الأولى لمحافظة أسوان

Bookmark and Share

 

حرية التعبير في الإسلام

 


1- تعريفها.

الحرية في التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو عمل فني بدون رقابة أو قيود حكومية.

 

بشرط: أن لا يمثل طريقة و مضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقاً لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير.

 

ويصاحب حرية الرأي و التعبير على الأغلب: بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حق حرية العبادة ، وحرية الصحافة ، وحرية التظاهرات السلمية.

 

وبالنسبة لحدود حرية الرأي والتعبير فانه: يعتبر من القضايا الشائكة والحساسة إذ أن الحدود التي ترسمها الدول أو المجاميع المانحة لهذه الحرية قد تتغير وفقا للظروف الأمنية والنسبة السكانية للأعراق والطوائف والديانات المختلفة التي تعيش ضمن الدولة أو المجموعة ، وأحيانا قد تلعب ظروف خارج نطاق الدولة أو المجموعة دورا في تغيير حدود الحريات.

 

ترجع بدايات المفهوم الحديث لحرية الرأي والتعبير إلى:

القرون الوسطى في المملكة المتحدة بعد الثورة التي أطاحت بالملك جيمس الثاني من إنكلترا عام 1688 ، ونصبت الملك وليام الثالث من إنكلترا والملكة ماري الثانية من إنكلترا على العرش ، وبعد سنة من هذا أصدر البرلمان البريطاني قانون "حرية الكلام في البرلمان ".

وبعد عقود من الصراع في فرنسا تم إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام 1789 عقب الثورة الفرنسية.

 

الذي نص على أن: حرية الرأي والتعبير جزء أساسي من حقوق المواطن.

 

وكانت هناك محاولات في الولايات المتحدة في نفس الفترة الزمنية لجعل حرية الرأي والتعبير حقا أساسيا ، لكن الولايات المتحدة لم تفلح في تطبيق ما جاء في دستورها لعامي 1776 و 1778 من حق حرية الرأي والتعبير حيث حذف هذا البند في عام 1798 ، واعتبرت معارضة الحكومة الفدرالية جريمة يعاقب عليها القانون ، ولم تكن هناك مساواة في حقوق حرية التعبير بين السود والبيض.

 

ويعتبر الفيلسوف جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill (1806 - 1873 من أوائل من نادوا بحرية التعبير عن أي رأي مهما كان هذا الرأي غير أخلاقيا في نظر البعض.

 

حيث قال:

" إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فان إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة ".

 

وكان الحد الوحيد الذي وضعه ميل لحدود حرية التعبير عبارة عن ما أطلق عليه " إلحاق الضرر " بشخص آخر ولا تزال هناك إلي هذا اليوم جدل عن ماهية الضرر ، فقد يختلف ما يعتبره الإنسان ضررا الحق به من مجتمع إلى آخر.

 

وكان جون ستيوارت ميل من الداعين للنظرية الفلسفية التي تنص على أن العواقب الجيدة لأكبر عدد من الناس هي الفيصل في تحديد اعتبار عمل أو فكرة معينة أخلاقيا أم لا وكانت هذه الأفكار مناقضة للمدرسة الفلسفية التي تعتبر العمل اللاأخلاقي سيئا حتى ولو عمت فائدة من القيام به.

 

واستندت هذه المدرسة على الدين لتصنيف الأعمال إلى مقبولة أو مسيئة ولتوضيح هذا الاختلاف فان جون ستيوارت ميل يعتبر الكذب على سبيل المثال مقبولا إذا كان فيه فائدة لأكبر عدد من الأشخاص في مجموعة معينة على عكس المدرسة المعاكسة التي تعتبر الكذب تصرفا سيئا حتى ولو كانت عواقبه جيدة.

 

وبسبب الهجرة من الشرق إلى الدول الغربية واختلاط الثقافات والأديان و وسائل الاتصال الحديثة مثل الإنترنت شهد العالم موجة جديدة من الجدل حول تعريف الإساءة أو الضرر وخاصة على الرموز الدينية حيث شهد العالم في أواخر 2005 وبدايات عام 2006 ضجة سياسية وإعلامية ودينية واقتصادية حول ما اعتبره المسلمون الإساءة للنبي محمد واعتبره العالم الغربي وسيلة في حرية الرأي والتعبير.

 

وأما حرية التعبير في الإسلام:

" فريضة على الحاكم والمحكوم معاً ".

فالحاكم:

مطالب بتنفيذها عن طريق الشورى ، وعن طريق تحقيق العدل والنظام القضائي المستقل ، ونشر التعليم ، وتحقيق الاكتفاء الاقتصادي ، وغيرها من الوسائل التي تجعلها ممكنة بحيث لا تخاف الرعية من ظلم أو فقر أو تهميش إذا مارستها.

 

والمحكوم:

مطالب بها فرداً وجماعات في كل المجالات تجاه الحاكم وتجاه الآخرين ، وبدون حرية التعبير وكل ما يؤدي إليها يحدث خلل في المجتمع الإسلامي.

فالمسلم مطالب: بعدم كتمان الشهادة السياسية والاجتماعية والقضائية على حد سواء.

( وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) ..... ( سورة البقرة: آية 283 ).

ويعتبر المسلمون أن الإسلام: قد أكد بوضوح على حرية التعبير ، و ذلك من خلال القرآن الكريم وسنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وهذا من خلال:

أولا: أقر القرآن الكريم بتعددية الآراء وتنوعها حيث يقول المولي عز وجل: ( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) ..... ( هود: آية 118 ).

أي أن: الاختلاف بين البشر ليس أمراً طبيعياً فحسب بل إيجابي.

كما يوضح القرآن الكريم أن اختلاف الآراء: سيؤدي إلى النزاع والصراع إذ يقول سبحانه وتعالى: ( ... فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ... ) ..... ( النساء: آية 59 ).

فالشيء المؤكد وجود آراء متعددة في المجتمع الإسلامي تعكس تنوعه وتياراته الفكرية.

 

ثانيا: كما أقر أن يتمتع المجتمع ، رجالاً ونساءً بالحرية في التعبير عن آرائهم ومواقفهم.

حيث يذكر القرآن الكريم: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) ( التوية: آية 71 ) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع لا يقتصر على الأمور الدينية والعبادات والعقائد فحسب بل كل النشاط الإنساني في التفكير والنقد والمعارضة والتقييم في شؤون السياسة والثقافة والاقتصاد.

 

2- قيود ومحددات حرية التعبير في الإسلام.

 

بشكل عام يشكل مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهم أعمدة حرية التعبير في الإسلام.

وقد كان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، والصحابة في عهد الخلافة يستمعون إلى آراء غيرهم من المسلمين ، وحتى غير المسلمين وعلى الرغم من هذا فإن في الإسلام قيود على حرية التعبير ويمكن تصنيف هذه القيود إلى نوعين من القيود هما القيود الأخلافية ، والقيود القانونية.

 

أولا: القيود الأخلاقية.

ونوجزها فيما يلي:

1- الغيبة ، الحديث عن شخص آخر والمس بسمعته وتجريحه.

2- السخرية من الآخرين وإسقاط هيبتهم والكذب عليهم.

3- كشف عيوب الآخرين أمام الناس.

4- البدعة وإضافة أمر إلى الدين ليس منه.

 

ثانيا: القيود القانونية.

1- ايذاء الآخرين وقذفهم بأمور يعاقب عليها الدين ، كشرب الخمر والرذيلة وغيرهما.

2- تكفير المسلم.

3- الافتراء على المسلم.

4- سب الله ورسوله محمد عليه الصلاة والسلام.

5- سب دين غير المسلمين أو إطلاق لقب كافر عليهم.

 

كذلك هناك محددات لحرية التعبير في الإسلام فمثلاً إذا أراد إنسان أن ينهي إنسان آخر عن عمل حرام.

1- فلا يحق له أن يدخل بيته مثلاً دون استئذانه ليقوم بذلك.

2- ولا ينظر داخل البيت.

3- أو يسترق السمع عليه فيعرف أنه يشرب خمرا مثلاً ، فيأمره وينهاه.

 

وتعتبر حرية التعبير في الإسلام أمر واجب على كل مسلم ومسلمة ، وليس حقاً كما هو في العالم الغربي ومن أمثلة حرية التعبير في الإسلام:

 

1- اعتماد مبدأ التشاور و عدم الفردية في اتخاذ القرار.

استنادا على سورة آل عمران: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ).

وسورة الشورى: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ).

 

2- ضمان الشريعة الإسلامية للرجل والمرأة ما يسمى بالحرية المدنية.

فدين الإسلام يعتبر:

أهلية المرأة كاملة ، وذمتها المالية من شأنها ، ولها أن تجري التصرفات المالية دون حرج ، وهي حرة في اختيار زوجها.

 

3- الحرية حق للإنسان.

ولكنها مثل كل الحقوق ، لها ضوابطها وقيودها ، ولا حرية في الإسلام لنشر ما يعتبر فساداً أو فتنة في مفهوم الإسلام.

 

4- يرفع الإسلام شعار المساواة بين الناس على اختلاف الأجناس والألوان واللغات.

استناداً إلى سورة النساء: ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ).

 

واستنادا إلى الحديث: " لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ".

 

إذن كفل الإسلام حريَّة الرأي والتعبير بمفهومها الإسلاميّ.

 

وحرية الرأي والتعبير تعني: تمتع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق ، وإسداء النصيحة في كل أمور الدين والدنيا.

فيما يحقق:

1- نفع المسلمين.

2- يصون مصالح كل من الفرد والمجتمع.

3- يحفظ النظام العام.

 

وذلك في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومع اهتمام الإسلام بحرية الرأي والتعبير إلاَّ أنَّه حرص على عدم تحريرها من القيود والضوابط الكفيلة بحسن استخدامها ، وتوجيهها إلى ما ينفع الناس ويرضي الخالق جل وعلا.

فهناك حدود لا ينبغي الاجتراء عليها وإلا كانت النتيجة هي الخوض فيما يُغضب الله ، أو يُلحق الضرر بالفرد والمجتمع على السواء ، ويُخل بالنظام العام وحسن الآداب.

 

ولهذا الحق المكفول طرق ووسائل توصِّل إليه:

منها ما نص الشارع على عينه بإباحة أو تحريم.

ومنها ما سكت عنها فلم ينص على اعتبارها ولا عدم اعتبارها ، كوسائل الإعلام الحديثة.

 

ويرى كل متابع ما يحصل من تداعٍ كبير لتناول الأطروحات ، وتبادل الآراء ، وتعاطي الحوارات ، كما يشاهد ما يسلكه كل ذي رأي من وسائل للتعبير عمَّا في نفسه ليستشعر أنه بذل شيئاً مما تبرأ به الذّمة مهما كان حال هذه الوسيلة.

 

والباحث الشرعي إذ يدرس أي نازلة أو يبحث في أي فكرة ؛ فهمّه تنزيل الأحكام على الوقائع ، ورائده تطلُّب الحق والبحث عن الدليل وإعمال الضوابط بعد استطلاع الواقع ونشدانه.

 

تحتاج كل حادثة إلى معرفة أُصول وقواعد يتفرع عن معرفتها وتقريرها بيان الحكم الشرعي لها ، وسأتناول هنا مقدمات أصول أربعة.

 

الأولى : مجالات إبداء الرأي.

 

كل أمرجاء الشرع بحكمه بدليل من الأدلة ، سواء كان متعلقاً بالعبادات أو المعاملات أو العقوبات أو العلاقات الشخصِيَّة.

فهذا ليس للإنسان فيه إلا أن يعمل بمقتضى الدليل ويتفقَّه فيه : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ). ( الأحزاب: 36 ).

وهذا أظهر من أن يُستدل له ؛ إذ العبوديَّة لله تقتضي الامتثال لأمره.

ومعنى الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً و بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ، هو: التحاكم إلى منهاج الله تعالى ورد الأمر إليه.

ولذا نفى الله تعالى الإيمان عمن لم يستكمل هذا فقال: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ). ( النساء: 65 ).

وهذا أصل عظيم من أصول الإيمان ، وهو معنى الإسلام ، فإن حقيقة الإسلام هي الاستسلام لله والانقياد له ، ومن لم يرد إليه الأمر لم ينقد له.

 

ودين المسلمين مبني على إتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة ، وهي الأصول المعصومة التي لا يجوز تجاوزها أو الخروج عنها ، وعلى أساسها توزن جميع الآراء والأقوال والأعمال قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه ). ( الحجرات:1 ).

 

قال الحافظ ابن كثير في معنى الآية:

" أي لا تُسرعوا في الأشياء بين يديه ، أي قبله ، بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور ، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ - رضي الله عنه - حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله تعالى . قال صلى الله عليه وسلم : فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي. فضرب في صدره وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله".( سنن أبي داود ( 3592 ) ، سنن الترمذي ( 1327 ) ، مسند أحمد ( 5/ 236 ) ، مسند الطيالسي ).

 

فالغرض منه: أنه أخّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ، ولو قدَّمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس – رضي الله عنهما - : ( لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه ). لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.

وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله تعالى على لسانه.

 

وعلى هذا الهدي في الرد إلى الكتاب والسنة وعدم مخالفتهما مهما ظهر بالرأي والفكر مخالفتهما للمصالح ؛ سار سلف هذه الأمة.

قال أبو الزناد - رحمه الله - : " إن السنن لا تُخاصَم ، ولا ينبغي لها أن تُتبع بالرأي والتفكير ، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين ، ولكنه ينبغي للسنن أن تُلزم ويُتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه ".

ولذا كان مجال الرأي في الإسلام مجالاً محكوماً بالكتاب والسنة والإجماع ، فما قرر فيها فهو أصل معصوم لا يُخرج عنه.

وإذا أعمل الإنسان رأيه وقرر نتائج بناها على مقتضى المصالح أو غيرها وهي معارضة لكتاب الله وسنة رسوله ، فقد راغم الشرع ولم يقابله بالرضى والتسليم.

 

وأما ما لم يبين حكمه والموقف منه بعينه في الشرع: فإن للمسلم أن يتخذ فيه رأياً يبديه لا يتعارض مع الضوابط العامَّة لإبداء الرأي وذلك: كطريقة تنفيذ ما أمر الله به وسكت عن طريقة تنفيذه ، أو ما لم يرد به نص محكم.

ولذا كان من القواعد المقررة عند أهل العلم أن ( لا اجتهاد في موارد النص ) ، وأن ما عارض النص فاسد الاعتبار.

 

الثانية : صاحب الرأي.

ذمَّ الله تعالى من يقول بلا علم ، فقال: ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَيُفْلِحُونَ ). ( النحل:116 ).

 

قال الشاطبي: الاجتهاد في الشريعة ضربان أحدهما المعتبر شرعاً والثاني غير المعتبر وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه ، لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض ، وخبط في عماية ، واتباع للهوى ، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره ، لأنه ضد الحق الذي أنزل الله كما قال تعالى : ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم ). ( المائدة:49 ).

وهذا كما يكون في أحكام الشرع فهو في كل علم ، فليس لأحدٍ أن يتناوله بغير إتقان له.

وقد ذم الله تعالى من يتبع الظن: ( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَناًّ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً ). ( يونس:36 ).

وجعل طاعة من يتبع الظن ضلالاً: ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ). ( الأنعام:116 ).

فلا بُدَّ أن يكون صاحب الرأي من أهل الخبرة والاختصاص فيما يتكلّم عنه ، وكلام الإنسان فيما يجهله غير مفيد والله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر دون غيرهم: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ).( النحل:43 ).وهذا دليل على أن ما يقوله غير العالم لا عبرة به.

ولذا لما وصف أهل العلم رجال المشورة جعلوا من صفاتهم العلم فيما يُسْتشارون فيه قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون ، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ، ووجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعَلَّق بالمصالح ، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها.

فجعل كلاً يُسْتشار فيما هو مختص به وكذا إبداء الرأي لا يسوغ لمن لم يكن مختصاً في فن أن يتكلم فيه ، ولذا ذكر الفقهاء أنه يُشرع الحَجْر على المتطبب الجاهل ، فكذلك غير الطب يُمنع مَنْ لم يكن مؤهلاً من إبداء رأيه ، إذ لا يوثق برأيه.

فالعالم بالشرع يبين أحكام الشرع وضوابطه في كل أمر وتصرّف ، لكن ليس له أن يصف العلاج المركَّب للمرضى إلا إذا كان مع ذلك طبيباً.

والمهندس له أن يتناول أموراً هندسيَّة بالرأي لكن الفتوى إنما تناط بالعالم بالشرع فقط والسبب في هذا أن الرأي المعتبر هوالمبني على العلم والتثبت ، وأما ما لم يُبن عليهما فهو محض ظن لا يغني عن الحق شيئاً ، ومعلوم أن للخيالات والأوهام رواداً لا يعبأ بهم في مجال الفكر.

ومن هنا كان أهل العلم لا يعتبرون بكل خلاف حتى قيل: وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر.

 

وإذا أريد قياس الرأي ومعرفة مكانته استند الناظر إلى ما استمد منه ، هل هو العلم والتثبت ، أو بني على المصالح الشخصية والعصبيات الجاهلية ومحض الهوى ؟

وكما يُشترط لإبداء الرأي القدرة على ذلك ، والتأهل له ، واستناده على ما يعضده فإنه يُشترط فيه أيضاً إرادة الحق والخير وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي هي مناط خيريّة العمل وصلاحه وقبوله.

 

الثالثة : مراعاة مآل الرأي.

إنَّ إبداء الرأي الذي يستند لأصل ولا يخالف الشريعة ، وإن كان في أصله مباحاً ، قد ثبت الإذن بإبدائه بحسب الأصل ، غير أنه في بعض الأحوال قد ينجر عنه في مآله من الأضرار والمفاسد ما ينافي مقصد الشرع في المصلحة والعدل ، فتكون الآراء المباحة أو المشروعة مؤدية إلى خلاف مقاصدها.

ويحدث ذلك بسبب عدم التبصّر بمآلات التصرّفات والآراء والأقوال ، أو سبب الباعث السيئ عند متعاطيها وسواء كان الباعث فاسداً أو صالحاً فإن مجرد مفسدة المآل ، والنتيجة السلبيّة للرأي ، يجعل الرأي رأياً مذموماً واجب الكتمان فهذا معيار توزن به الآراء والاجتهادات ، وهو مدى كون آثارها محقِّقة لمقاصد الشرع أو مناقضة له.

وعليه فإنه لا يسوغ لصاحب رأي ولا لمفت أو مفكر أن يقرر رأياً مهما كان صواباً إذا ترتب على ذلك مفسدة أعظم ، أو كان مثيراً لفتنة ومراعاة مآل الرأي يتضمن:

ملاحظة الوقت الذي يُبدي فيه الرأي ، ومدى تعلّق أهل الفساد به ، وهل يفهمه من خوطب به على وجهه أم لا.

 

الرابعة : لا يسوغ الإلزام بما هو من موارد الخلاف.

المسائل في شريعة الإسلام منها ما هو قطعي محكم ، فهذا ثابت الحكم لا يتغيّر بتغير الزمان والمكان ومنها مسائل الاجتهاد وموارد الخلاف التي لم يحسمها نص قاطع ، ولم يثبتها دليل ظاهر ن فليس فيها نص شرعي ولا إجماع قطعي ، فهذه يحكمها اجتهاد المجتهدين المؤهلين ، فيختار المجتهد منها أظهرها عنده.

ولقد صدر عن منظمة المؤتمر الإسلامي في اجتماعها بالقاهرة في 14/1/ 1411هـ البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإسلام ، وتضمنت المادة الثانية والعشرون منه : ( لكل إنسان الحق في التعبير بحريّة عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية ، ولكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً لضوابط الشريعة الإسلامية ).

فمفهوم الحرية من المنظور الإسلامي يتحقق من خلال الحقوق والواجبات باعتبارهما وجهين لحقيقة واحدة ، لأن الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات سيصبح الفرد فيها غير مرتبط بالآخرين ، وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه ، وبذلك يصبح انفرادياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته ، فإذا كانت الحرية من منطلق الحقوق فقط دون الواجبات كان عدم التوازن في الحياة.

وقد حرص الإسلام على تطبيق مبدأ الحرية في هذه الحدود وبهذه المناهج في مختلف شؤون الحياة ، وأخذ به في جميع القضايا التي تقتضى كرامة الفرد في شؤونها وهي المناحي المدنية والدينية ومناحي التفكير والتعبير ، ومناحي السياسة والحكم حتى وصل إلى شأن رفيع لم تصل إلى مثله شريعة أخرى من شرائع العالم قديمه وحديثه.

فالإسلام يقرر أن إنسانية الإنسان هي رهن حريته إذ لا يمكن أن تتحقق إنسانيته بدون حريته ، فإن تحكم الآخرين عليه باستعباده بغير صورة شرعية وتدخلهم في شؤون حياته فيه إلغاء لحقوقه ، فهو من منطلق هذا يعيش حياته آمناً على نفسه وأهله ولا يخشى عدوان حاكم ولا بطش ظالم.

وحرية الكلام والتعبير حق فطري ، لأن التعبير عما في الضمير فطرة فُطِرَ عليها الإنسان يعسر ، بل يتعذر إمساكه عنها ، فكان الأصل أن لكل إنسان أن يقول ويحاور ويناقش ولا يمسكه عن ذلك إلا وازع الدين بأن لا يقول لغواً أو ينطق باطلاً.

إنّ حرية التعبير الحق هي التي تحافظ على حقوق الآخرين ، وأمّا التصرفات التي تصدر دون مراعاة حقوق الآخرين فهي الفوضى التي تؤدي إلى اختلال التوازن في موازين الحياة واحترام الآخر ، واحترام حقوقه لا يتأتى إلا من حرية التعبير التي تعتمد مبادئ الأخلاق وآداب الإسلام الذي يعني عدم مصادرة آراء الآخرين وإيذائهم ، وإن كانت مخالفة ، لكن غير مسيئة للآخرين ومعتقداتهم إنّ حرية التعبير التي تنطلق من هذه الضوابط والمحددات لها ثمار كثيرة ، منها :

أولاً: أنها تعمق الثقة بين أفراد الأمة.

فإن الوضوح يقتل الخلاف ، والمصارحة تقضي على الدس والوقيعة ، والصدق يعمر القلوب بالألفة والمحبة.

 

ثانياً: قوة بناء الأمة وتماسكها.

فإن احتكاك الآراء وتعاون الناس يولد القرب بينهم ، وتلاقح الأفكار يولّد التنوُّر والتقدم الحضاري ، فيتشاورن ويتناصحون ، وهذا يزيد من تماسكهم وتضامنهم لأن الاحتكاك بين المؤمنين يولّد نوراً ولا ريب أن اجتماع المواهب وتعاضدها يؤدي إلى خير كثير ، وهذا بخلاف الخوف والكبت فإنهما يولدان التفكك والشك والريبة.

 

ثالثاً: إن المرء متى أُعطِي الفرصة لإبداء رأيه في تقرير مصيره والمشاركة في صناعة القرار أدى ذلك إلى رقي في الأمة وتقدمها.

 

فإننا نجني من وراء حرية التعبير الأفكار النيرة والآراء الصائبة ، فلا تقدم الأمة على أمر إلا وتكون قد عرفت مصالحه وأدركت منافعه.

 

 

*****************************

 

المراجع :

1- الفقيه والمتفقه: للخطيب البغدادي ، (1/392).

2- انظر : بيان الدليل على تحريم التحليل ، ص 250.

3- المادة الرابعة عشرة من قواعد المجلّة ، وانظر : شرح القواعد الفقهيّة ، للزرقا ، ص 147.

4- آداب البحث ، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، (2/129).

5- الموافقات ، (4/167).

6- تفسير القرطبي ، (4/250).

7- القواعد النورانية الفقهية ، ص 151 ، 152.

8- الموسوعة الحرة - ويكيبيديا.

9- د. هاني بن علد الله الجبير.

10- د. محمد علد اللطيف صالح الفرفور.

أضيف في: 2010-03-21        عدد المشاهدات: 4243
 
 
 

اضافة تعليق ...

 
 
 

التعليقات ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموقع غير مسئول عن التعليقات التي ترد من الزائرين والرجاء أن يكون التعليق مراعيا الآداب العامة مع عدم التجريح أو الإساءة للأشخاص أو الهيئات
 
   

ضع البريد الإلكتروني هنا

 
 
هل ترى إرتداء أساتذة أصول الدين للزى الأزهرى  
  ضرورة
  مستحب
  عادى
  لا أهتم
 
Could not connect: